رينوار . الاب والابن في السينماتيك الفرنسي : موعد مع السعادة

 

 

 

كيف يمكن للمرء ان يحكي عن فنان ,كان يرسم كما تغرد البلابل والعصافير, ويتمني ان يصبح اللون الاحمر في لوحاته، لا لونا يري فحسب، بل ايضا جرسا يقرع، وصوتا بل نغمة تسمع، ويهتز لها الجسد بالطرب العميق ، و قد ظل هذا الفنان يرسم حتي بعد ان بلغ من الكبر عتيا، وراح وهو يعاني من مرض التهاب المفاصل، الذي اقعده عن الحركة، وأصاب بالشلل اطرافه، راح وحتي نهاية حياته، وبعدما صار شيخا،يرسم من علي كرسييه المتحرك ، ولم يكف ابدا عن الرسم، حتي وافته المنية في محترفه بعد ان سجل بلوحاته، او بالاحري خلد بلوحاته ، مجد الحياة في فرنسا ، وزهوها وتألقها، بألوان تنطق بالحبور والبهجة، وعشق الحياة، والانوثة ، والطفولة، في قلب الطبيعة ، والشمس، والضوء ، في محاولة للامساك بتوهج الحياة ذاتها ، ..وفرح الوجود ؟.

؟. انه الفنان الفرنسي الرسام العظيم بييراوغست رينوار ( من مواليد ليموج في عام 1841 وتوفي عام 1919 ) الذي يقيم له حاليا السينماتيك الفرنسي- ارشيف او دار الافلام- معرضا رائعا حقا بكل المقاييس.معرض مفتوح حتي9 يناير 2006 و يعد الآن بمثابة الحدث الثقافي الفني الاول الآن في باريس وفرنسا، وقد اقيم بمناسبة انتقال السينماتيك من منطقة التروكاديرو ومتحف الانسان الي مبني جديد في حي بيرسي ( باريس 12 ) بجوار مكتبة فرنسا الكبري، في محاولة للكشف من خلال المعرض بعد ان انتقلت رئاسة السينماتيك الي المخرج والمنتج الفرنسي الكبير كلود بيري، (والمعروف انه من هواة اقتناء اللوحات الفنية ومولع بالفن التشكيلي )، الكشف عن العلاقة بين السينما والفنون التشكيلية, وكنوع من التكريم، لا لاوغست رينوار وحده، الذي يعتبر مع الفنان كلود مونيه رائد الحركة الانطباعية او التأثرية IMPRESSIONISME في الفن، وهي الحركة التي ثارت علي تقاليد الرسم الاكاديمية الكلاسيكية الجامدة المحنطة، وخرجت بفن الرسم الي حضن الطبيعة..

بل كنوع من التكريم لاسرة ” رينوار ” التي عملت بالرسم والنقش علي السيراميك وزخرفة الاطباق والاواني والتصوير والتمثيل و الموسيقي والاخراج السينمائي, بل والتأليف ايضا، فالمعروف ان جان رينوار( 1894 الي 1976 ) كتب عدة روايات ومسرحيات الي جانب اخراجه لاكثر من 20 فيلما..

تكريم لايخص اوغست رينوار اذن فقط، بل يخص ايضا اولا ابنه جان رينوار ،الذي يعتبر اعظم مخرج سينمائي انجبته فرنسا بشهادة المخرج الفرنسي الكبير فرانسوا تروفو ، ومن معطفه، من معطف جان رينوار ، مخرج ” طوني ” و” مدام بوفاري ” و” قواعد اللعب ” و يعتبر الفيلم الاخير من احسن 10 افلام في تاريخ السينما العالمية،خرجت الموجة الجديدة في السينما الفرنسية في فترة الخمسينيات علي يد فرانسوا تروفو وجان لوك جودار وايريك رومر وغيرهم, وانطلقت تصور افلامها في حضن الطبيعة وقلب الحياة علي الرصيف، كما فعل رينوار في فيلمه ” بودو الذي نجا من الغرق ” بطولة الممثل الفرنسي العبقري ميشيل سيمون، وحفر بذلك سكة جديدة ومنهجا في صتع الافلام، اطلقها من جمود الاستوديوهات الي حيوية وديناميكية الحياة في الشارع , وكان لمخرجي الموجة الجديدة قدوة تحتذي، حتي اطلق عيه تروفو الباترون أي معلم السينما الفرنسية, واعتبره من اعظم، ان لم يكن اعظم مخرج عرفته السينما العالمية.. كما جاء المعرض تكريما للابن الثاني كلود رينوار الذي عمل بحرفة النقش علي السيراميك، والابن الثالث بيير رينوار، الذي عمل بمهنة التمثيل، ومثل في 4 افلام من ضمنها فيلم ” نشيد المارسييز ” من اخراج شقيقه جان رينوار ( لعب دور الملك لويس 16 في الفيلم ).. و رابعا الحفيد كلود رينوار الصغير ( ابن بيير رينوار ) الذي عمل كمدير تصوير في السينما واشتغل مع عمه جان رينوار في الفترة من عام 1932 الي عام 1956 وصور له فيلمه ” النهر ” الذي صوره في الهند , وبذلك يكون المعرض تكريما لجميع افراد أسرة ” رينوار ” الفنية الفرنسية العبقرية، والروابط الحياتية والفنية المشتركة التي صنعت وصاغت رؤيتهم للفن والعالم, وتكريما ايضا للنساء اللواتي تعهدن افرادها بالحدب والحب والرعاية، واغدقن عليهم من عطفهن وحنانهن: مدام رينوار زوجة اوغست التي انجبت له ابنائه الثلاثة ، والنساء الموديلات اللواتي اشتغلن مع الاب، ورسمهن وخلدهن في لوحاته, وكان جان الصغير, بفضل احداهن تعرف علي الافلام الصامتة حيث كانت تصطحبه معها في جولاتها في باريس وتأخذه الي السينما، وكان من الطبيعي بعد ان نشأ وكبر في ذلك الوسط الفني ان يهيم غراما في بداية حياته باحدي الموديلات الحسناوات اللواتي عملن مع والده, ولذلك سارع بعد وفاة الاب، الي عقد قرانه عليها ، ثم جعلها في مابعد، بطلة لافلامه الاولي الصامتة..

رينوار .. مصور السعادة

ولاشك ان اجمل ما في المعرض، الذي يمكن اعتباره ايضا بمثابة تكريم الي المرأة ، وجمال النساء وانوثتهن المتفجرة، (لم ينقطع رينوارعن رسم العاريات في حضن الطبيعة حتي آخر لحظة في حياته ) وتمجيدا للحب بكافة اشكاله ( حب الطبيعة.الامومة. الطفولة.الحياة علي الفطرة.البراءة.العفويةوالتلقائية المحببة حين تصبح الحياة علي الفطرة مغامرة في البر والبحر ، وعليك ان تغرف من متعها قبل فوات الاوان، وتمسك بتلك السعادة التي تتفجر الآن في اللحظة، وقبل أن تختفي فجأة والي الابد )..اجمل مافي المعرض لرينوار مصور السعادة الذي كان يردد انه يرسم للمتعة ولايهتم بالنظريات, وتذكرك لوحاته بقصائد عمر الخيام، انه يجعلنا من جانب ندخل الي ألفة وصفاء وحميمية الاسرة، كما لو كان دعوة شخصية للغداء مع افرادها علي العشب( اسم لوحة شهيرة للاب اوغست رينوار ) لأنك بمجرد ان تدلف الي المعرض في الدور الخامس في مبني السينماتيك الجديد ،سوف تقف في طابور طويل يمر اولا علي فاترينة ممتدة بامتداد القاعة تعرض صورا شخصية لافراد الاسرة، وتجعلنا نتعرف عليهم من الصور التذكارية التي التقطت لهم ، وتحكي عن ذكرياتهم ، وايام السعادة التي مضت ولن تعود ابدا..

مجد الحياة في مانفعله الآن

وهو بذلك يوقظ فينا حين نروح نتأمل في الصور ، الحنين الي مجد تلك الايام في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ايام السعادة التي ولت، عندما كان كل شييء يسير علي مايرام، وتمضي الايام في هناء وسرور، و في بساطة ووفرة، ويجعلنا نطوف في تلك الاماكن التي عاش فيها افراد اسرة رينوار , ثم خلدوها فيما بعد في لوحاتهم وافلامهم , فاذا بنا نتخيل انفسنا نهبط الي ضفاف نهر السين معهم , ونصطحبهم الي غابة فونتان بلو علي مقربة من باريس ، حيث ولدت الحركة الانطباعية، و نسعد بالمشاركة في حفلاتهم في الهواء الطلق, ونكاد نستمع الي افراد الفرقة الموسيقية التي تعزف هناك علي مقربة من طاحونة في قلب الريف الفرنسي الطازج, ونكاد من فرط سعادتنا نشارك في الرقص مثل زوربا اليوناني، قبل ان نخلع ملابسنا، و ندخل الي مياه نهر ” السين ” ، التي يرسمونها بفرشاتهم، ويلتقطونها مناظرا ومشاهدا في افلامهم ، كي نسبح مع الطيور والبط ، ونحن نردد ، ان مجد الحياة في ما نفعله الآن.. بل ان المعرض ايضا ومن جانب آخر يرينا كيف خرج استوديو الابن جان رينوار ، خرج من محترف او مرسم الاب اوجست رينوار . وكيف كان الابن جان رينوار امتدادا في افلامه، لذلك الاب المصور الفنان الرسام اوغست في لوحاته, بل لقد نجح جان رينوار ان يخلد ذكري الاب اوغست ، من خلال تحويل لوحات اوغست الساكنة الجامدة الي لوحات سينمائية حية، تنطق بعشق الحياة وجمال المنظر الطبيعي في فرنسا ،وهي تعلي ايضا من شأن الحب وقيمة الحب، وعشق الجمال، وعناق الوجود ، وتتسامي بارواحنا.. وتصبح بمرور الوقت قطعة منا وكان جان رينوار كثيرا مايردد انه كان يحاول دوما في افلامه ان يكشف كيف تأثر بوالده الفنان الرسام العبقري, وكان اوغست كثيرا مايردد اني احب اللوحات التي نجعلك ترغب في ان تدلف الي داخل اللوحة وتتجول فيها.. ولذلك يناقش المعرض الذي يمتد علي مساحة 600 متر مربع عدة موضوعات اوثيمات مشتركة بين الاب والابن، من ضمنها موضوع البورترية الشخصي، والبورتريهات العائلية( كان اوغست يرسم نفسه ويضع زوجته واطفاله في لوحاته كما صور الابن نفسه في السينما من خلال التمثيل في بعض افلامه ) و كيفية تقديم وتمثيل ” الموديل ” في التصوير ( الرسم ) والسينما، وتأثير ” الطبيعة ” في اعمال الاب اوغست المصور الانطباعي، وفي العديد من افلام الابن جان المخرج السينمائي، واهتمام الاثنان معا ب” التكوين ” في اعمالهما ، وهذه هي المرة الاولي التي يناقش فيها معرض في فرنسا العلاقة بين مذهب الانطباعية في الفن التشكيلي وفن السينما.. ويشرح كيف عكست اعمال الاب والابن بشكل ما صورة لطبيعة الحياة الاجتماعية والتقاليد الفنية الجمالية في اواخر القرن 19 وبداية القرن 20..
التأثرية ثورة علي التقاليد الاكاديمية

 

في مدينة ليموج الفرنسية ولد بيير اوغست رينوار عام 1841 لاب ترزي خياط انجب 7 اطفال مات منهما اثنان في الصغر، وعندما بلغ اوغست الثالثة من عمره انتقلت الاسرة الي باريس، حيث تردد علي المدرسة لفترة 6 سنوات فقط، وفي سن العاشرة انضم الي محترف رسام سيراميك كي يتعلم حرفة النقش والرسم علي الاطباق الصيني وتزيينها، وبسبب امتهانه لهذه الحرفة وعنايته الفائقة بالصنعة الجيدة, ظل اوغست طوال حياته ، حتي بعد أن اشتهر كفنان رسام, ظل يردد انه يعتبر نفسه ” صانع يدوي وحرفي رسم ” اكثر منه فنان ومصور رسام, ولم يكن يأبه بالحديث والمغالات في الاحاديث الذهنية التي اشتهر بها الفرنسبون حول النظريات الفنية، ويعتبر ذلك لغوا. كان يرسم رينوار لمتعته الخاصة ويقول ان اللوحة يجب اولا ان تكون جميلة، وتستمتع بها العين , ولذلك كانت لوحاته تعبيرا عن الحرية وبهجة للعيون. واهتم اوغست منذ حداثته بالرسم ولما لم يكن يجد قلما يرسم به كان يستخدم طباشير والده الخياط ويروح يخطط بالطباشير علي الابواب والجدران, وكان يتقاضي ثلاث مليمات نظير رسم ماري انطوانيت علي اطباق الطعام، ثم انضم الي محترف الرسام جلير ليتعلم اصول الرسم ومن بعدها التحق بكلية الفنون الجميلة, وعلي عكس الفنانين الانطباعيين مثل مونيه وبازيل كان رينوار لايستطيع مثلهما الاعتماد علي اسرته في الانفاق علي دراسته, وكان عليه ان يكدح ويشقي كي يدفع بنفسه مصروفات الدراسة. وكان رينوار يتردد كثيرا علي متحف اللوفر ليتعلم الرسم وينقل عن لوحات كبار الفنانين ويقلد اساليبهم، وفي محترف جلير تعرف اوغست علي مونيه وبازيل وارتبط معهما بصداقة وثيقة وكان ثلاثتهم يقضون عطلة نهاية الاسبوع في غابة فونتان بلو علي مقربة من باريس في حضن الطبيعة , وكان رينوار يتفوق عليهما في الرسم بسبب المهارة التي اكتسبها في مهنته السابقة كرسام علي الاواني الخزفية ، ومن خلال تلك اللقاءات ولدت الحركة الانطباعية في الفن..

في عام 1866 شارك اوغست رينوار ياولي لوحاته في ” صالون باريس ” حيث كان متأثرا بالاسلوب الواقعي وباعمال فناني القرن الثامن عشر، ولكنه في عام 1768 رسم أول لوحة تتضمن مميزاته الفنية التي عرف بها ، وميزت شخصيته في الرسم بعد ذلك. كانت جماعة الانطباعيين او التأثريين التي اقامت أول معارضها الجماعية عام 1874 تمثل ثورة علي الفن الرسمي الذي فرضه رجال ” اكاديمية الفنون الجميلة ” علي الحياة الفنية الفرنسية. عارض التأثريون فكرة اعتماد فن التصوير الزيتي علي الرسم بالخطوط الواضحة المؤكدة والمحددة للعناصر المرسومة، وفضلوا عليها استخدام اللمسات اللونية الصافية غير الممزوجة والموضوعة علي قماش اللوحة بحرية دون اخفاء هذه اللمسات او دمجها ، في محاولة لنقل تأثرهم بالاضواءالمنعكسة عن العناصر التي يرسمونها، دون تحديد للخط الخارجي المحدد لهذه العناصر, بحيث يتعرف المشاهد علي الاشكال من خلال الوانها واضوائها وانعكاسات لون كل عنصر علي العناصر المجاورة لهن هذا دون الاهتمام بموضوع اللوحة ، فقد اعتبروا ان كل شييء في الكبيعة يمكن ان يكون موضوعا لفن التصوير. وقد تميز رينوار عن غيره من الفنانين التأثريين بميله الي تصوير الاشخاص, بينما كرس معظم زملائه لوحاتهم لرسم المناظر الطبيعية، كما كان أشد اهتماما باشاعة البهجة غي لوحاتهن فالالوان الصافية وتلألؤ الاضواء عنده ليس غاية في ذاتها، وانما هو وسيلة لبناء الشكل الذي يتميز في لوحاته بالليونة والغبطة واللطف، بينما لم تعد المناظر الطبيعية عنده الا حاشية بهيجة تحيط بما يرسمه من نساء واطفال, اطفاله واطفال اصدقائه. وعندما بدأ يشتهر كمصور للحياة الباريسية عن جدارة، ويكسب من لوحاته ، سافر الي الجزائر وايطاليا واسبانيا، ولم يكف عن تثقيف نفسه , وكان يعتبر ان كل لوحة يرسمها هي لوحته الاخيرة ومن ثم فهي ” تمرين ” سوف يمنحه فرصة للتدقيق من جديد في اسلوبه، والتأكيد علي بصمته الرينوارية- ان صح التعبير- و النورانية الفريدة في اللوحة التي سوف تحمل توقيعه. ولذلك كان رينوار بمجمل لوحاته واعماله الفنية، استطاع ان يخلق نمطا من السعادة، مثل الشخصيات النمطية في السينما، بالرسم. وكان علي الابن جان رينوار ان يأخذ هذا النمط ” الساكن ” المتمثل في لوحات واعمال الاب , هذا ” النمط ” من اشكال السعادة المتعددة في لوحاته، التي تلهج بالثناء علي حب الحياة واغتنام المسرات، لكي ينفخ فيه الحياة ويجعله ” متحركا ” وناطقا أي يعيد تصويره وخلقه من جديد بالصورة المتحركة أي بالسينما. ويكفي ان نتأمل في ملصق المعرض الذي يضم صورتين صورة للوحة للاب رينوار علي اليمين, ولقطة من فيلم ” غداء علي العشب ” للابن جان رينوار علي اليسار لكي ندرك كيف ولد – بضم الواو- استوديو الابن من مرسم الاب , وكيف نجح جان رينوار في ان ينفخ في لوحات اوغست الاب الحياة ويجعلها من خلال افلامه قطعة من تراث هذه الاسرة الفنية الفرنسية العبقرية وقطعة من تراثنا الانساني السينمائي الفني لكل العصور ..
والواقع انه لاغرابة في ان تخرج افلام جان رينوار من رحم مرسم الاب, فقد كان اوغست رينوار تأثر أكثر من غيره بالتصوير الفوتوغرافين فكانت بعض لوحاته عبارة عن مناظر مقتطعة بواسطة اطار اللوحة من منظر اكثر اتساعا، تماما كالصورة الفوتوغرافية التي تلتقط جزءا من المشهد يحدده الاطار اعتباطا، ولكن معظم لوحاته ذات تكوين متماسك.. لقد استطاع رينوار كما يقول عنه الناقد الامريكي برنارد مايرز, حتي بعد ان اقعده الشلل نتيجة مرض التهاب المفاصل منذ عام 1899 وكان يضطر الي ربط فرشاة الالوان بين اصابعه العاجزة عندما كان يرسم من فوق مقعده المتحرك ، استطاع ان يجمع كل الرسامين العظام ويجعلهم ينطقون عبر لوحاته. جمع رينوار عظمتهم وحيويتهم واحساسهم بالاتساعات الهائلة من خلال احساسه العميق بالحياة, واستطاع ان يعبر عنها بألوان مدرسة التأثرية الجديدة

التعبير عن ” الانسانية المشتركة ” لجميع الناس

في عام 1924 وكان جان رينوار- ابن اوغست رينوار – بلغ الثلاثين من عمره شرع في اخراج اول افلامه، فكان بداية لمسيرة سينمائية رائعة في عالم الاخراج السينمائي امتدت من عام 1924 الي عام 1969 أي لفترة تزيد علي الخمسة والاربعين عاما ، استطاع خلالها جان رينوار وعبر اكثر من 20فيلما ان يضع بصمته علي تاريخ السينما في فرنسا والعالم ، كما فعل والده في عالم الفن التشكيلي والرسم ، وكانت الافلام التي اخرجها فرصة اتاحت له ان يؤكد علي رؤية والده الفنية والفلسفية تجاه الوجود والحياة ويمنحها من روحه وتجربته الفنية الفذة , ويكفي كمثال علي ذلك ان تلك الحياة الباريسية التي عبر عنها الاب في لوحاته , بفرحها وتألقها ورقصها وبهجتها, في نهاية القرن 19, استطاع جان ان ينقلها لوحة لوحة الي فيلم ” رقصة الكان كان الفرنسية FRENCH CANCAN” من انتاج 1954 ويحكي فيه عن ملهي المولان روج في باريس وحياة الراقصين والراقصات والجو العام في حي المونمارتر في ذلك الوقت,ويقول رينوار عن هذا الفيلم : ” حاولت منذ اكثر من ثلاثين عاما ان اعثر علي وسيلة استطيع بها ان اعبر عن ذلك الحب الحسي الجسماني للاشياء والاشخاص البشر في لوحات ابي, واخيرا استطعت ان احقق ذلك في فيلم ” رقصة الكان كان الفرنسية ” من خلال جمال الممثلة سيلفيا باتاي, بالاضافة الي الالوان التي استخدمتها في الفيلم, والموسيقي التي وضعت له, وكنت سعيدا بالنتيجة التي توصلت اليها، بعدما نجحت في التذكير بلوحات ابي وفنه من خلال مشاهد الفيلم ولقطاته وشخصياته وتمثيل جان جابان…

” والواقع ان جان رينوار الذي يعتبره فرانسوا تروفو اعظم مخرج في تاريخ السينما الفرنسية , ومن معطفه كما ذكرنا خرجت الموجة الجديدة الفرنسية السينمائية في الخمسينيات, جرب كل انواع الفيلم في السينما ونجح او كاد. جرب الميلودراما في فيلم ” الكلبة ” ، والدراما او المأساة الاجتماعية في فيلم ” توني ” وجرب الفيلم التاريخي في ” نشيد المارسيييز ” والتراجيكوميديا في ” قواعد العبة ” الذي يعتبر احد اعظم 10 افلام في تاريخ السينما العالمية ،كما سافر الي هوليوود وحقق عدة افلام هناك من ضمنها فيلم ” مذكرات خادمة ” تمثيل جان مورو ثم عاد الي فرنسا واخرج عدة افلام من بينها ” الفرنش كان كان ” و” نزهة في الريف ” و” غداء علي العشب ” عام 1959, غير ان الشييء الاساسي الذي يحسب له كمخرج عظيم مثل مخرجناالعظيم المصري العربي صلاح ابو سيف, انه ارتبط بمذهب الواقعية او فلنقل الواقعية الشعرية ، ومنذ اول افلامه ” فتاة الماء ” عام 1924 ,.. وذلك لان افلامه الواقعية تأنف ان تكون اسيرة للواقع، بل تتسامي لتصل به الي مصاف الشعر, وتصبح مثل القصائد السينمائية ، بمعالجات رينوار الفريدة, التي تعتمد في جزء كبير منها علي فن الارتجال، كما في موسيقي الجاز، وتنهل من فن الممثل. ولذلك فهو امتداد ايضا لرؤية والده الفنية الذي كان يعتمد علي الارتجال ايضا في لوحاته ويهتم برسم الشخصيات, اكثر من اهتمامه بالمنظر الطبيعي في الخلفية, والمهم في عمل الاثنين وبؤرة الاهتمام هو الانسان, ولم يكن جان رينوار يعبأ ببيع بعض ممتلكاته من لوحات ابيه لكي يصرف علي افلامه و ينتجها وبخرجها بنفسه كما يشاء..وكانت تجربة الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها كمجند في سلاح الطيران وشاهد مآسي الحرب وهو يقود طائرة استطلاع تركت تأثيرات كبيرة علي نفسه ومعتقداته وقناعاته, وجعلته يقترب اكثر بافلامه من الواقع، يقترب اكثر من انسانيتنا، ويجعلنا لانمل ابدا من افلامه ومن مشاهداتها عشرات المرات, ومن ضمنها فيلم “قواعد اللعبة ” الذي يعتبر ” تحفة ” سينمائية و يدرس هنا في مدارس ومعاهد السينما الفرنسية والعالمية كأحد اعظم الافلام ” الانسانية ” التراجيكوميدية في تاريخ السينما العالمية.. في عام 1979 نشر المخرج الامريكي العملاق أورسون ويلز مقالا بعنوان ” جان رينوار اعظم المخرجين جميعا “، مؤكدا بكلامه علي شهادة فرانسوا تروفوبأن رينوار هو اعظم مخرج في العالم ، وأن فن رينوار يتمثل علي الخصوص قي طريقته التي لامثيل لها في ادارة او بالاحري ” قيادة ” الممثلين بل واكثر من ذلك في ” استخدامهم ” لذلك فان قوله بأن الفيلم هو حكاية قصة وايجاد الوسائل العملية لكي نحكيها، تعني بالنسبة اليه انه يعرف كيف يستخدم الممثلين الذين سيجسدون تلك القصة, ويستفيد منهم، اكثر مما يستفيد بالتقنيات ، أي بزاويا الكاميرا, وأساليب المونتاج..

ان الانسان كما يقول جان رينوار يعتمد علي الارض التي تطعمه, وظروف الحياة التي تشكل قلبه وعقله, والمنظر الطبيعي الذي يمر امام عينيه كل يوم, اكثر من اعتماده علي ابناء جلدته، والجنس الذي ينتمي اليه.. ويضيف رينوار ” ” ان الانسان الفرنسي الذي يعيش في فرنسا, ويشرب النبيذ الاحمر ، ويأكل الجبن الفرنسي الطري، يستطيع امام المشهد الباريسي الرمادي أن يبدع عملا جيدا ، حين يعتمد فقط علي التقاليد التي ابدعها اناس مثله عاشوا في ذات المكان.. “… هكذا كان جان رينوار المخرج الانساني العظيم الذي كتب في سيرته الذاتية يقول : ” ظل هدفي الرئيسي منذ ان قررت ان اصبح مخرجا, التعبير عن ” الانسانية المشتركة ” بين جميع الناس “.. زائرا كنت الي باريس أو مقيما ، لاتدع فرصة مشاهدة هذا المعرض الفذ الذي يضع لوحة من عمل الاب الي جوار لقطة من فيلم من اخراج الابن ويدعك تتأمل وتدرك وتعجب بفكرة المقارنة ، والتشابه بين الاثنين، والعناصر المشتركة بينهما ، ويرينا كيف خرج استوديو الابن المخرج من محترف الاب الرسام، بالوثائق والافلام واللوحات والصور, لاتدع فرصة مشاهدة هذا المعرض الرائع في السينماتيك الفرنسي, محطة “بيرسي ” في الحي 12 باريس ، والمفتوح حتي 6 يناير 2006 تفتك بأي ثمن,والجدير بالذكر ان السينماتيك الفرنسي ( دار الافلام ) يعرض في نفس الوقت الاعمال السينمائية الكاملة لجان رينوار في نسخ جديدة للافلام ، حتي نهاية ديسمبر 2005، كما ينظم العديد من المحاضرات التي يتحدث فيها المختصون عن فن التصوير عند اوغست وفن الاخراج السينمائي عند الابن المخرج السينمائي العملاق جان رينوار..