فيلم ” جوكر ” أو جعلوني مجرما..فن راق أم ” بضاعة ” تجارية إستهلاكية ؟ بقلم صلاح هاشم

من أقوى الأفلام الأمريكية التي خرجت منذ يومين فقط للعرض التجاري في فرنسا فيلم ” جوكر ” للمخرج الأمريكي تود فيليبس، وبطولة الممثل الأمريكي القدير يواقيم فينيكس، ويشاركه في التمثيل العنلاق روبير دو نيرو، وكان من أقوى الأفلام المنتظرة، التي يتلهف الفرنسيون هنا على مشاهدتها، لسببين: أولا : بسبب الضجة الإعلامية الرسمية التي أثارها الفيلم ” المثير للجدل” حين خرج للعرض في أمريكا، وانقسام النقاد والجمهورالأمريكي بشأنه، ووصفه، بآنه لايمت بصلة للفن، بل مجرد ” بضاعة” تجارية استهلاكية، تحض على العنف الدموي، والثورة وقتل الأثرياء، وإثارة الفتن في البلاد.. وضم الفيلم الى ” القائمة السوداء” للأفلام الأمريكية التي لايوصى بمشاهدتها، تلك الأفلام مثل فيلم ” ولدوا ليقتلوا ” من إنتاج عام ١٩٩٤ للمخرج الأمريكي أوليفر ستون، التي تمجد الشر، وتغري فئة من الشباب والعزّاب الأمريكيين الذين يعيشون بمفردهم ويعانون من عذابات الوحدة، على تقليد بطل الفيلم في توجهاته وقناعاته وسلوكياته ” الشيطانية {،حيث يخلق الفيلم – من وجهة نظرهم – من أمير الجريمة والشر” جوكر” في الفيلم بطلا، بل ” أسطورة” للشر والرذيلة، في مجتمعات الوفرة الليبرالية الأمريكية الإستهلاكية المحافظة.. أما السبب الثاني الذي جعل الفرنسيين يتلهفون على مشاهدة الفيلم،المثير للجدل، فهو حصوله على جائزة ” الأسد الذهبي” ،في مهرجان فينيسيا السينمائي العريق، وترشيح بطل الفيلم يواقيم فينيكس، للحصول على “أوسكار” أحسن ممثل في حفل الأوسكار القادم.. غير أن فيلم ” جوكر ” الجديد، لايريد آن يصنع للشر بطلا ونموذجا يحتذى، بل ينزع عن جوكر في الفيلم الجديد، كل تلك القدرات والمقومات، التي جعلت منه بطلا للشر في أفلام باتمان السابقة، ويضعه في إطار تلك الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية – فترة الثمانينات- التي صنعته، في تلك المدينة الخيالية ” جوتام”، حيث تقع أحداث الفيلم، ويجعل منه إنسانا وبشرا من جديد، وإبنا لتلك الظروف التي جعلت منه مجرما.. وهي تلك الظروف التي لاتختلف كثيرا، كما يظهر في الفيلم ” الفطن “عن تلك الظروف التي يعيشها المجتمع الأمريكي برئاسة دونالد ترامب الآن، وبكل ما فيه من تناقضات، وإهمال للمرضى الذين يطلبون المزيد من العلاج كما في حال ” جوكر ” المريض المجنون في الفيلم، وإستغلال فاضح للطبقات الفقيرة المهمشة والمهاجرين، وعنف دموي قبيح، وكره للأجانب.. .. يقدم الفيلم إذن نوعا من ” السيرة الذاتية” بواقعية مذهلة ،لشاب مريض ويعالج من الجنون، وكان يتمنى فقط ” أن يحبه الناس، وأن يصبح ممثلا فكاهيا مشهورا في عرض فكاهي ضاحك في التليفزيون ” غير أن ظروفا موضوعية، شاءت غير ذلك، وتعمل تلك السيرة وتشتغل في الفيلم على” تفكيك” شخصيته، من خلال التفتيش في أصله، وفصله، تاريخه وذاكرته..

يعود الفيلم الجديد- كمبحث وتحقيق في ” هوية ” الجوكر – الى فترة الثمانينيات، في مدينة ” جوتام”- التي تشبه مدينة نيويورك – ويحكي لنا عن شباب “جوكر ” ،والمدينة القذرة التي أنجبته ، والظروف التي صنعته، وجعلت منه مجرما ،في نظر سادة المدينة وحكامها،و ” بطلا ” للمعذبين في الأرض، من الخدم والعبيد، المحرومين من الحب والرعاية الطبية والأمن.. فيلم” جوكر” أو ” جعلوني مجرما” المحمل بالعديد من الإشارات والارتباطات الفنية، ويحيل في بعض مشاهده الى أفلام للمخرج الأمريكي العملاق مارتين سكورسيزي مثل فيلم ” سائق التاكسي” .. هو أحد أهم الآفلام التي تعرض لوجه أمريكا القبيح، خلف القناع ،الآن ، حيث يصبح الموت فقط، كما يقول ” جوكر ” في الفيلم ، وبسبب الظروف، هو الشيء الوحيد على مايبدو، الذي يمنح لكل الفقراء، والمظلومين، والمهانين، والمعذبين في الأرض، من أمثاله، قيمة ومعني، للحياة ذاتها، في الأرض الخراب..اللعنة. ” جوكر” فيلم ” سياسي”رائع٫ يشمخ فيه يواقيم ينيكس بتمثيله، ليصبح ” أيقونة”، ويستحق المشاهدة عن جدارة..